الخطيب الشربيني

432

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

تَعْلَمُونَ أي : لو كنتم من أهل العلم والنظر لعلمتم ذلك ولكنهم لانهماكهم في حبّ الدنيا كأنهم شاكّون في الموت . ولما كان عليه السلام أطول الأنبياء عمرا وكان قد طال نصحه لهم ولم يزدادوا إلا طغيانا وكفرا قالَ مناديا لمن أرسله لأنه تحقق أن لا قريب منه غيره : رَبِّ أي : يا سيدي وخالقي إِنِّي دَعَوْتُ أي : أوقعت الدعاء إلى الله بالحكمة والمواعظة الحسنة قَوْمِي أي : الذين هم جديرون بإجابتي لمعرفتهم بي وقربهم مني ، وفيهم قوّة المحاولة لما يريدون لَيْلًا وَنَهاراً أي : دائما متصلا لا أفتر عن ذلك . وقيل : معناه سرا وجهرا . فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي أي : شيئا من أحوالهم التي كانوا عليها إِلَّا فِراراً أي : بعدا وإعراضا عن الإيمان كأنهم حمر مستنفرة استثناء مفرغ وهو مفعول ثان ، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بسكون الياء ، والباقون بفتحها وهم على مراتبهم في المد . وَإِنِّي كُلَّما أي : على تكرار الأوقات وتعاقب الساعات دَعَوْتُهُمْ أي : إلى الإقبال إليك بالإيمان بك والإخلاص لك لِتَغْفِرَ لَهُمْ أي : ليؤمنوا فتمحو ما فرطوا فيه في حقك فأفرطوا لأجله في التجاوز في الحد محوا بالغا ، فلا يبقى لشيء من ذلك عين ولا أثر حتى لا تعاقبهم عليه ولا تعاتبهم جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ كراهة منهم واحتقارا للداعي فِي آذانِهِمْ حقيقة لئلا يسمعوا الدعاء ، إشارة إلى أنا لا نريد أن نسمع ذلك منك ، فإن أبيت إلا الدعاء فإنا لا نسمع لسد أسماعنا ودل على الإفراط في كراهة الدعاء بما ترجم عنه قوله : وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ أي : أوجدوا التغطية لرؤوسهم بثيابهم لئلا يبصروه كراهة للنظر إلى وجه من ينصحهم في دين الله تعالى ، وهكذا حال النصحاء مع من ينصحونه دائما . وَأَصَرُّوا أي : أكبوا على الكفر وعلى المعاصي من أصر الحمار على العانة ، وهي القطيع من الوحش إذا صر أذنيه وأقبل عليها يكدمها ويطردها وَاسْتَكْبَرُوا أي : أوجدوا الكبر طالبين له راغبين فيه وأكد ذلك بقوله : اسْتِكْباراً تنبيها على أن فعلهم منابذ للحكمة ، وقد أفادت هذه الآيات بالصريح في غير موضع أنهم عصوا نوحا عليه السلام وخالفوه مخالفة لا أقبح منها ظاهرا بتعطيل الأسماع والأبصار وباطنا بالإصرار والاستكبار . ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً أي : معلنا بالدعاء ، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : بأعلى صوتي . ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ أي : كررت لهم الدعاء معلنا ، وقرأ نافع وابن كثير بفتح الياء والباقون بسكونها وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : يريد الرجل بعد الرجل ، أكلمه سرا بيني وبينه ، أدعوه إلى عبادتك وتوحيدك . فَقُلْتُ أي : في دعائي لهم اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ أي : اطلبوا من المحسن إليكم المبدع لكم المدبر لأموركم أن يمحو ذنوبكم أعيانها وآثارها بأن تؤمنوا بالله وتتقوه إِنَّهُ كانَ أي : أزلا وأبدا ودائما سرمدا غَفَّاراً أي : متصفا بصفة الستر على من رجع إليه . يُرْسِلِ السَّماءَ أي : المظلة لأن المطر منها ، ويجوز أن يراد السحاب والمطر عَلَيْكُمْ مِدْراراً . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ أي : ويكثر أموالكم وأولادكم ، وذلك أن قوم نوح عليه السلام